محمد بن جرير الطبري
115
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القائل إذا قال : " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم افتتح تاليًا سورةً ، أن اتباعه " بسم الله الرحمن الرحيم " تلاوةَ السورة ، يُنبئ عن معنى قوله : " بسم الله الرحمن الرحيم " ومفهومٌ به أنه مريد بذلك : أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم . وكذلك قوله : " بسم الله " عند نهوضه للقيام أو عند قعوده وسائر أفعاله ، ينبئ عن معنى مراده بقوله " بسم الله " ، وأنه أراد بقِيلِه " بسم الله " ، أقوم باسم الله ، وأقعد باسم الله . وكذلك سائر الأفعال . وهذا الذي قلنا في تأويل ذلك ، هو معنى قول ابن عباس الذي : - 138 - حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشرُ بن عُمَارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحّاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : إنَّ أول ما نزل به جبريلُ على محمد ، قال : " يا محمد ، قُل : أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم " ثم قال : " قل بسم الله الرحمن الرحيم " . قال : قال له جبريل : قل بسم الله يا محمد ، يقول : اقرأ بذكر الله ربك ، وقم واقعد بذكر الله . ( 1 ) قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فإن كان تأويلُ قوله " بسم الله " ما وصفتَ ، والجالبُ الباءَ في " بسم الله " ما ذكرتَ ، فكيف قيل " بسم الله " ، بمعنى أقرأ باسم الله " ، أو أقوم أو أقعد باسم الله ؟ وقد علمتَ أن كلَّ قارئٍ كتابَ الله ، فبعَوْن الله وتوفيقه قراءتُه ، وأن كل قائم أو قاعد أو فاعلٍ فعلا فبالله قيامُه وقعودُه وفعلُه . وهَلا - إذْ كان ذلك كذلك - قيل " بسم الله الرحمن الرحيم " ولم يَقُل " بسم الله " ؟ فإن قول القائل : أقوم وأقعد بالله الرحمن الرحيم ، أو أقرأ بالله - أوضحُ معنى لسامعه من قوله " بسم الله " ، إذ كان قوله أقوم " أقوم أو أقعد باسم الله " ، يوهم سامعَه أن قيامه وقعوده بمعنى غيرِ الله . قيل له ، وبالله التوفيق : إن المقصودَ إليه من معنى ذلك غيرُ ما توهَّمته في نفسك . وإنما معنى قوله " بسم الله " : أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء ،
--> ( 1 ) الحديث 138 - مضى مختصرًا ، بهذا الإسناد 137 . وفصلنا القول فيه هناك .